مهدي أحمدي

19

الشيخ محمد جواد مغنيه

--> - قلت : أتحصل على ثمن الغداء والعشاء ؟ أجاب : أغلب الأيّام ، وإذا رجعت آكل من هذا الكعك . قلت : أرشدني إلى الفرن . صحبني الصبي إلى الفرّان الذي أخبرته برغبتي في العمل عنده ، فرحّب بي ، وقال : تعال صباح الغد ، انتظرت الصباح بفارغ البصر ، وفي الصباح الباكر أسرعت إلى الفُرن حيث ينتظرني عملي الجديد ، وتسلّمت من صاحب الفُرن كمّية من الكعك ، ورحت أتجوّل بها هنا وهناك ، وكان يوماً سعيداً حقّاً ؛ لأنّي تغدّيت كعكاً ، وربحت ثمن العشاء ، ولكن لم أستطع الاستمرار في هذه المهنة ؛ لأنّي اكتشفت أنّ صاحب الفرن يستغلّني ، وهو يبيعني العشرين كعكة ب ( 15 ) قرشاً ، مع أنّها لا تكلّفه أكثر من خمسة قروش . تعلّمت صنع الحلوى ( المشبّك ، والعوّامة ، والنمّورة ) من بائع حلوى يقيم معنا في الغرفة ، فتركت للتوِّ بيع الكعك ، وشرعت أصنع الحلوى بنفسي ، وأبيعها مستقلّاً استقلالًا تامّاً . وكانت هذه المهنة نهاية المطاف بالنسبة لعملي في بيروت ، التي بقيت أكدح فيها أربع سنين أو أكثر . ولقد عيّرني بمهنتي كبائع حلوى بعد أن أصبحت عالماً معروفاً ورئيساً للمحاكم الجعفرية في لبنان ، عيّرني البعض من المعمّمين ومن أبناء العلماء ، ونشروا يهاجموني في أكثر من صحيفة ، يصفوني ببائع الحلوى ! تهجّموا عليَّ ؛ لأنّي كدحت من أجل لقمة العيش الشريف ، وكافحت لكسب الحلال ، ولأنّ وضع العمل الذي مارسته لا يناسب وضع آل مغنيّة المرموق ، ومكانتهم الاجتماعية العريقة ، فتناسوا أنّ أولياء اللَّه وعباده الصالحين كانوا من الكادحين ، وأنّ علياً عليه السلام كان يضرب الأرض ليُخرج منها الماء ، ويحمل أكياس الرمل على ظهره ، ويتقاضى أُجرته من الزُرّاع الذين عمل عندهم ؛ ولأنّ الواجب في منطقهم كان يقضي عليَّ أن أُولد قبل أن يموت أبويَّ بثلاثين سنة على الأقلّ ، حتّى لا أُعاني شدائد اليُتم بلا كفيل ومصاعب الطفولة المشرّدة ! أمّا الذين تجنّوا عليّ وهاجموني ، فلهم فضل السبق إلى اختيار وقت ولادتهم ، وبقائهم في حجور آبائهم وأُمّهاتهم ، حتّى بلغوا سنّ الأربعين أو يزيد . . والجدير بالذكر : أنّ أحد هؤلاء انتهى مجنوناً في مستشفى الأمراض العقلية ، وآخر يعيش على -